السيد محمد حسين الطهراني

44

معرفة المعاد

تأثّرت كميّة الماء ولا كيفيّته ، أمّا لو أضيف ذلك القدر من الماء إلى قَدَر محدود ، كقربةٍ أو قدح ، أو انقص منه ذلك القدر ، لكانت الزيادة والنقصان فيه مشهودتين ظاهرتين . وما دام الإنسان يهبط نفسه متسافلًا في حدود عالم الطبع والمادّة ، وما دام يحصر علاقاته وارتباطاته فيها ، فإنّ وجوده سيكون أشبه بوعاء صغير محدود ، بحيث إذا أصابته فاجعة كفقدان زوجةٍ أو ولدٍ أو مالٍ أو عشيرةٍ أو أقارب أو جاهٍ واعتبار ، فإنّه يرى نفسه محزوناً خائفاً بظهور علائم تُنذر بفقدهم في المستقبل . أولياء الله هم وحدهم الذين أخرجوا أنفسهم من جميع مراحل ومنازل الطبع والمادّة وآثارها وتعلّقاتها ، فسافروا إلى عالم التجرّد والملكوت ، وصاروا كالبحر ، وصار وجودهم متعدّد الجوانب ، بحيث لم يعد يظهر فيهم تزلزل أو تغيّر بفقدان هذه الأمور في الماضي أو باحتمال فقدانها في المستقبل ، ولم يعد الخوف والحزن يرتسم على طلعتهم وسيماهم . وهذا هو معنى سعة النفس وخروجها من المحدوديّة ، السعة التي بيّنها العليّ الأعلى في القرآن الكريم ، والتي دعاها أمير المؤمنين عليه السلام في تفسيره الكلام الإلهي بمعنى الزهد : معنى الزهد في تعبير القرآن الكريم الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : لِّكَيْلَا تَأسَوْا على مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ . وَمَنْ لَمْ يَأسَ على الْمَاضِي ، وَلَمْ يَفْرَحْ بِالآتِي فَقَدْ أخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ . « 1 » مَن هم أولياء الله ؟ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ، أي الذين آمنوا وتمسّكوا بالتقوى سابقاً ، أي الذين آمنوا وعملوا على الدوام على أساس

--> ( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » ، باب الحكم ، طبعة محمّد عبده ، مصر ، ص 238 .